الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
رسالة الطيف للمنشئ 58
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
/ [ 29 / ب ] أتظنّ أنّك عاشق * وتبيت بالمحبوب جاثم ثم الطيف أعشق منك * إذ يسرى إليه وأنت نائم وما زلت أعاني القلق ، وأكابد الأرق ، حتى برق عمود الصباح ، وأعلن الداعي بحي على الفلاح ، وظهرت تباشير النهار ، وأنا أذكر ما قيل في ذلك من الأشعار قال علي بن الجهم « 1 » :
--> - الآخر أن صاحبه قد مضى على عهده وأنه إليه صائر غير مخلف لما تركه عليه . وأنا أرى أن هذا أنقى أنواع العشق وأفضل حظ لمن رزق العشق فلا يعشق سوى من هو له حلال ومنال ، وليس هذا من تصرفات البشر ، ولكنه كما قلت رزق وحظ لمن هو « ذو حظ عظيم » ، ولكن هل يستطيع الإنسان أن يختار حظه ؟ طبعا لا فأنا أرى أنه أوفق أنواع العشق ولكن لا أقول إن ما سواه خطأ بل أقول إنه ابتلاء يبتلى به الإنسان فعليه بالصبر عليه إلى أن يجد له من اللّه فرجا وخلا ومخرجا يريحه ويرضيه أو يبلغه به أمانيه . ثم يعود الشاعر فيكرر اللوم على العاشق ويقول له لو كنت عاشقا ما نمت ، وإن نمت فإن الطيف أعشق منك إذ هو يلاطفه طيفك وأنت نائم فهو ينوب عنك بإخلاصه لا مثلك يهنأ بنوم ومحبوبه ساهر . ( 1 ) قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمته ( 11 / 367 ) : علي بن الجهم بن بدر السامي الشاعر من ناقلة خراسان له ديوان شعر مشهور ، وكان جيد الشعر عالما بفنونه ، وله اختصاص بجعفر المتوكل وكان متدينا فاضلا . حدثنا أبو طالب يحيى بن علي الدسكري لفظا بحلوان أخبرنا أبو بكر بن المقري الأصبهاني حدثنا أحمد بن محمد بن بكر الهزاني حدثنا عبد اللّه بن شبيب المكي حدثنا علي بن الجهم بن بدر السامي حدثنا علي بن مسهر - كذا قال الدسكري - وأحسبه عبد الأعلى بن مسهر عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال : أوصى مسلمة بن عبد الملك بثلث ثلثه لطلاب الأدب ، فقال : أنها صناعة مجفو أهلها . . . . قال إبراهيم الحربي قال لي علي بن الجهم وجه بي المتوكل في حاجة له إلى بغداد فلما كان يوم جمعة صليت في الصحن فإذا سائل يسأل قد وقف فحدث أحاديث صحاحا وأنشد شعرا مستويا ، وتكلم بكلام حسن فأخذ في قلوب الناس ثم قال لهم : يا قوم إني لم أمت من عجز ، وإني افتننت في علوم كثيرة ، ولقد خرجت إلى الجعفر إلى المتوكل ، فحملت التراب على رأسي فخرج المتوكل يوما على حمار له يدور في القصر ، فطرحت التراب عن رأسي ، وأنشدته القصيدة الفلانية ، وأنشدها فجود إنشادها ، فأمر لي بعثرة آلاف درهم ، فقال له علي بن الجهم : الساعة يفتح عليك أهل الخلد فلا يكفيك بيوت لأموال ، فلم أعط شيئا ، فلم يبق أحد إلّا لعنني وذمني ، فقلت للخادم : عليّ بالسائل فأتاني به ، فقلت : تعرف علي بن الجهم ؟ فقال : لا ، فقلت للخادم : من أنا ؟ قال : أنت علي بن الجهم ، فقال السائل : ما تنكر من هذا ؟ هات عشرة دراهم حتى أخرجك وأدخل غيرك فأعطيته عشرة دراهم ، وأخذت عليه ألا يذكر . -